حوار و حكي فوق مكعبات الرخام
........................
و أنا مسافر في قطار يتجه جنوبا من القاهرة إلي سوهاج , و في جو هادئ ممتع و أنت تمر علي نهر النيل أحيانا و كثير من الخضرة و ألوان من جبال البحر الأحمر البعيدة و وسط وجوه أعرفها جيدا تذكرت والدي و هو يحكي لي عن رجل كان يمتلك فرسه ورثها عن والده و أنجبت له حصان صغير ظل يعلمه حتى بلغ بعض من القوه و التعليم و بينما كان يزوره أحد أثرياء القوم رأي ذلك الحصان الصغير فأعجب به و طلب منه أن يبيعه له و لأن تلك الخيول العربية المعلمة تعتبر من الكنوز التي لا تباع أو تهدي إلا للمحبين و حسب و لأن هذا الرجل الثري من أقرب الأصدقاء وافق صاحب الحصان أن يهديه لصديقه و بعد مرور فتره زمنيه ألمت بالرجل الثري ضائقة مالية كبيرة فقام ببيع كثير مما يملك و كان من بينها هذا الحصان الذي أمتلكه عن طريق الهدية وقام بشراء الحصان "عربجي" و في أحد المرات و بينما كان هذا "العربجي" يمر بالحصان أمام منزل الرجل الذي قام بتربيته وقف الحصان و لم يتحرك و ظل ينظر ناحية البيت الذي تربي فيه و وقع علي الأرض ميتاً , يقول لي أبي إن هذه القصة حقيقية و شاهدها الكثير من أهل القرية و تأثروا بها كثيرا , لا أعلم لماذا تذكرت تلك الحكاية و أنا أري صديقي الجالس بجواري و هو ممسك برواية " الحكي فوق مكعبات الرخام" للروائية نهي محمود و كنت قد انتهيت من قراءتها و كان صديقي يقرأ أحيانا و يبتسم أحيانا و ينظر من خلال النافذة أحيانا أخري و عندما أتي عامل البوفيه بالقطار ليقدم له الشاي الذي طلبه منذ ما يقرب من ساعة انتهزت الفرصة و سألته:
- ما رأيك بالرواية التي انتهيت منها الآن؟
- ابتسم مجددا و نظر إليها و قال "ممتعه"
- قلت له (و كان قد أمعن النظر إلي غلافها) و ما الذي أمتعك بها؟
- قال إن كل جزء فيها و الذي أشبه اليوميات التي يكتبها كل واحد منا و نسجل عليها في بعض المرات تاريخا و في مرات أخري نسجلها بدون تأريخ, إنما هي خطابات لا تحتاج إلي طابع بريد أو عنوان بريدي لتصل إلي قلبك.
- فأمسكت بالكتاب و قلت له و ما الذي أوحي لك به هذا العنوان, و ما علاقة مكعبات الرخام بما جري لبطلة روايتنا؟
- قال .. عندما تقرأ في علم النفس ستجد ثمة رابط بين القيام بِعَد المكعبات أيا كانت و بين تمكن الوسواس القهري من شخص يعاني من مشاكله النفسية و التي ربما تكون هربا من التفكير العميق بمشاكله هذه , كما أن مكعبات الرخام في روايتنا هذه كانت بمثابة المهدئ الذي أدمنت بطلة الرواية تعاطيه له كل ليله بعد مرورها بتلك المشكلة العصيبة.
- قلت له و ما رأيك في شخصية أدهم في الرواية؟
- قال إن أدهم هذا هو الشخص الذي نحب وجوده في حياتنا و هو أيضا من لا يمكن أن نطلق عليه بالصديق أو الحبيب أو الأخ و إنما هو مزيج بين كل ذلك مع امتلاكه لصفات نادرا ما تتوافر في أشخاص يحيطون بنا دائماً.
- قلت له و هل رأيت أنه تم توظيفه في الرواية كما يجب؟
- ابتسم مرة أخري و قال لي ... الرواية أسهل من أن تبحث بها عن توظيف الشخصيات أو غيره , لقد تم كتابة الرواية بعفوية غير معتادة و هي أشبه برسالة إلي كل من يعبثون بقلوب محبيهم بحثا عن المادة و قامت كاتبة الرواية بفعل ذلك دون أن تشعر تقريبا , فعندما تلاحظ عدم ذكر الزوج السابق في جميع صفحات الرواية عن قصد فإن ذلك يبعثك إلي إهماله مع شعورك الكامل بعدم استحقاق أن يذكر و لو سباباً , تقول في احدي يومياتها:
"شاركتني الحلم و مضيت في تيار الدم" و قولها:
"ملايين أبيها كانت قادرة علي انتزاع قلبك من بين ضلوعك و استبداله ببطارية"
و علي نقيض ذلك تماماً قامت كاتبة الرواية بترديد اسم الفارس الذي جعل للرواية نهاية
- اسمه أمير و هو أمير
- تقول :
كدت أقترح عليه أن يترك مهنة الطب بإرهاقها و يتجه للتمثيل بالسينما
لكني لم أجرؤ علي قول ذلك
و تساءلت لو فعل الإنسان كل ما يصح له لكنت أنا الآن في الشوارع امسك فرشاه و لوحه و ارتدي معطفا قديما و طاقية صوف تغطي نصف وجهي
- هذا ما أحبه ... أن أعيش حاله من التشرد الشديد
ثم نظر الي القارئ و قال انظر بماذا أنهت رسالتها :
هل اخبرتك بذلك من قبل؟
- و لكنت أنت تعمل تاجر رقيق
و سكت القارئ قليلا و نظر إلي عربة القطار أمامه و خلفه و قال:
لكل من هؤلاء الجالسين قصته التي يتمني كتابتها بهذه الطريقة , أن يخرج ما في قلبه و يثأر لمشاعره المعذبة بطريقة ما لن تكون أجمل من الطريقة التي تمت بها كتابة روايتنا هذه
و في هذه الأثناء كان القطار قد توقف في محطة سوهاج فأمسك صديقي بالرواية و وضعها في "حقيبتي" و قال لي تعرف! .. الروائية نهي محمود تنتظر الآن صدور روايتها الجديده عن دار ميريت و نحن أيضا في انتظارها ...إنها "راكوشا" .... ثم نزلنا سويا نرتدي قميصا واحدا و مضينا.

0 التعليقات:
إرسال تعليق